سؤال الذات (نص نظري) – تحليل نص 'الشعر الرومانسي' لعبد المحسن طه بدر
إشكالية النص
السؤال هو: من فعل سأل عن الشيء إذ استفسر عنه وطلب معرفة لم تكن حاصلة وقت السؤال، وفي الاصطلاح الأدبي تعني كلمة "سؤال" استحضار مفهوم أو قضية من أجل استنطاقها والكشف عن أبعادها.
الذات: هي النفس وهي خلاف الموضوع المدرك وينظر إليها من وجهتين:
الأول: يؤكد على طابع الخصوصية الذي يميز الذات عن باقي الذوات الأخرى من حيث الشك واليقين والرغبة والإرادة
والإحساس.
الثاني: يؤكد على نوعية العلاقة التي تربطها بغيرها من الذوات وبالقيم الاجتماعية.
ال ّذات م ْطل َع القرن العشرين كخصم عنيد لحركة البعث والإحياء، مستهدفة رد الاعتبار لذات ال شاعر التي همشها ظهرت حركة ُسؤالِ الغربي وموضوعاته المتعلقٍة بالوجدان والتأمل في الحياة والارتهان إلى الخيال والهروب
الإحيائّيون مرجعها في ذلك ال شعر الغنائ إلى الطبيعة والحلولِ فيها والّتفلسف في الوجود والبحث عن قيم مثالية مطلقة للجمال والنقاء والحب بحثا حالما خجولا. ولقد نتج عن سؤال الذات في الشعر العربي الحديث حركة أدبية سميت بالرومانسية قامت على أنقاض إحياء النموذج وقد تميزت بالتأمل العميق في الكون والحياة والطبيعة واتجهت بمضمون القصيدة الحديثة اتجاها وجدانيا. وانق َسم تيار سؤال ال ّذات إلى ثلا ِث جماعات
مشهورة هي
جماعة الديوان: شعراؤها هم محمود عباس العقاد، وعبد الرحمان شكري، وإبراهيم عبد القادر المازني.
تيار الرابطة القلمية: أهم رواده هم: إيليا أبو ماضي، وجبران خليل جبران، ومخائيل نعيمة.
جماعة أبولو: وتضم أحمد زكي أبو شادي، وأبو القاسم الشابي، وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي...
لقد اهتم التيار الرومانسي بالذات والوجدان وتمثل عوالم الأحلام والخيال والطبيعة وفر شعراؤه من المشاكل التي يعيشها المجتمع العربي، وعبروا عن ذواتهم، وخرجوا على القصيدة العربية القديمة شكلا ومضمونا. وقد رافقت ظهور هذا التيار وتطورُه دراسات ومناه ِجه، وحاولت تقديم مفهوٍم جديٍد لل ّشعر ولوظيفته مختلفا عن التصور التقليدي، متكئا
نقدّية موازية استفادت من النقِد الغرب على طبيعة ال ّشعر الرومانس ّي وسماته ال شكلية والمضمونية. وقد اشتهر نقاد كثر عرضوا لتيار سؤال الذات كمحمد غنيمي هلال، وعبد القادر القط، وعبد المنعم خفاجي، وعبد المحسن طه بدر (1932ـ 1990) بمنهجه القائم على الرصد التاريخي والمنهج الاجتماعي، من مؤلفاته ”دراسا ٌت في تطور الأدب العربي الحديث“ الذي منه هذا النص. فما القضية التي يطرحها؟ وما طراِئق عرضها؟
فرضيات القراءة
بتأملنا ُعنوان الن ص ”ال ّشعر الّرومانس ّي“ نجده تركيبا اسميا من مبتدأ ونعِته، فيما الخبر مدفون في النص. أما من حيث ال دلالة فالشعر ، الخاضع لبناء معين، المستند على مقّوما ٍت جمالية خاصة، أما ”الرومانسي“ فهو تحديد
ي القائم على إيقاعٍ هو ذاك الجن َس الأدب لطبيعة هذا الشعر ونو ِعه نسبًة إلى الرومانسية التي تتغنى بالذات وتهتم بالوجدان وتثور على التقليد والمعيارية، وتنشد الانطلاقّ صوا ذات الشاعر، قوة إحساسه الذاتي، والحرية. و ِمن خلال العنوان وشكل الّن ص، وبعض المشيرات النصية الدالة من قبيل (أن يخل شعراُء مدرسة الديوان، تبني الّتراث الغربي...) نفترض أ ّن النص النظري الذي بين أيدينا يتمحور حول نقد خطاب سؤال الذات، ورصد أهم إنجازاته وإخفاقاته. فما أبعاد هذا النقد؟ وما المفاهيم المؤطرة له؟ وما منهجية الكاتب في معالجة الموضوع؟
تحليل النص
المعجم
رغم تباين الحقلين هناك تداخل في بعض العناصر، فالموقف والفكرة حاضران في إحياء النموذج وفي الرومانسية معا، ومرد هذا راجع إلى كون الرومانسية لم تتمكن من الوصول بالشعر إلى مستوى التجربة، فرغم محاولات التجديد ظل هناك حنين إلى الرجوع تصوير المواقف والانحياز لقوة اجتماعية معينة ولم يستطع الشاعر الرومانسي بلوغ مرحلة التعالي الشعري.
قضايا النص وإشكالاته
طر َح النص إشكالية رئيسية تمّثلت في مفهوم ال ّشعر عند الرومانسّيين المؤسس على وظيفة تنح ِصر في التعبير عن ال ّذات، ورفض
التقليد والمحاكاة، وبعد اختبار الكاتب إنجازات ممثلي حركة سؤال الذات انتهى النص إلى أ ن ثورتهم نسبية؛ فلا هم انفصلوا عن
ي ، وال ّسبب في ذلك اندفاعهم وحماستهم وضبابّية الرؤية التي
التراث العربي انفصالا تاما ولا هم نجحوا في تقليد التراث الغ ْرب
ص َدروا عنها، وعجزهم عن التمثيل الصحيح لروح التيار الذي يبشرون به.
وللوقوف على تداعيات القضّية الرئيسّية وتقليبها على أ ْو ُجهها المختلفِة ، ناقش الناقد جمل ًة من القضايا المتفّرعة عنها وأهمها:
ّي، وتقليد الإحيائيين للنموذج القديم؛ مما يضعهم حسب المقياس النقدي
قضية التقليد بوجهيه: تقليد الرومانسيين للشعر الغرب
للكاتب في سلة واحدة، وإن كان الإحيائيون نجحوا في مشروعهم بينما تخبط الرومانسيون العرب في محاولاتهم استنساخ
الرومانسية الغربية. ، وعدم تجرئهم على الجوانب الثورة على القديم: وتمّثلت في رفض الرومانسيين للتراث ال شعر ي العربخصائص الشعر الّرومانسي: حيث ناقش الكاتب بعض ملامح حركة سؤال الذات على مستوى التجديد في المضامين والموضوعات، ونوع من التركيز على المشاعر تركيزا طبع المعجم والصورة بفيوض عاطفية لم تتخلص من انعكاسات الإشراقات القديمة، وأوغلت في عوالم حالمة وخجولة انتهت إلى الهروب إلى عالم الغاب الطاهر الجميل الطوباوي، واللوذ بامرأة ملاك مثالية بدون ملامح واقعية، مما أفسد عمق التجربة التي شط فيها الخيال عن الواقع.ي في
جانبه المضمون الأخرى خاصة الموسيقى.
خصائص الشعر الّرومانسي: حيث ناقش الكاتب بعض ملامح حركة سؤال الذات على مستوى التجديد في المضامين والموضوعات، ونوع من التركيز على المشاعر تركيزا طبع المعجم والصورة بفيوض عاطفية لم تتخلص من انعكاسات الإشراقات القديمة، وأوغلت في عوالم حالمة وخجولة انتهت إلى الهروب إلى عالم الغاب الطاهر الجميل الطوباوي، واللوذ بامرأة ملاك مثالية بدون ملامح واقعية، مما أفسد عمق التجربة التي شط فيها الخيال عن الواقع.
طرائق العرض
استعان الكاتب في مناقشة ِفكَرِته بمجموعة من طرائق العرض فاعتمد ”المقارَنة“ بين الرومانسّية التي تولي اهتماما لل ّذات والإحيائية التي تخضع لقّوة خارجّية ، ولعل الهدف من هذه المقارنة بيان الاختلاف بين المدرستين ، والتنصيص على تمّيز المدرسة الّرومانسية
على مستوى المفهوم والأدوات الإبداعية، واعتمد الاستشهاد (الاستشهاد من شعر علي محمود طه ومن رأي نقدي لميخائيل نعيمة) ،وهي طريقة مسعفة في تدعيم الفكرة وتقوية الوظيفة الإقناعية.
ونهج الكات ُب طريقًة أخرى تمثلت في افتراض فرضيات وإثبات ص حتها ، فقد افتَرض أ ّن ث ْورة الرومانسّيين نسبّية ، وأثبت ذلكفي المضمون وال ّشكل، وإلى جانب ذلك توسل بمنطق التفسير والتمثيل والاستدلال
ي والّتجديد الكل بفشلهم في تقليد ال شعر الغرب فاسترسل في عمليات تحليلية تربط المحمولات المنطقية بعضها ببعض وتربط المبدأ النقدي بإجراأته التطبيقية بشكل يقوي واقعية الاستدلال وموضوعيته. وقد طبّق هذا الأسلو َب في عرضه لإنجازات وإخفاقات شعراُء الرومانسّية. واعتمد الأسلوب الاستنباطي،، ثم عرج بين ال شعر الرومانس ي وال شعر الإحيائي حيث أشار أولا إلى أه م مدارس الرومانسية وشعرائها. وانتقل بعدها إلى إبراز الفرقِ على خصائص المدرسة الرومانسيِة، منتهيا إلى اقرار نسبّية ما حققته حركة سؤال الذات من تجديد. وتكُمن أه ّمية الأسلوب ال استنباطي في طرح الحكِم ثّم تفصيله، ثّم بناء الاستنتاج بالتدرج الذي لا يعدو أن يكون تثبيتا للحكم المطروح، وهو منهج علمي يقود إلى الفهم والاقتناع لصرامته المنطقية.
تركيب وتقويم
رام الكاتب في نصه إبراَز خصائص المدرسة الرومانسية التي كانت أو ّل حركٍة شعرية ثارت على النموذج الشعري العربي شكل آلعرض المختلفة، ولغة ومضمونا إلى حد ما، وقد استهدف مسا َءلة حركة الّرومانسية وَن ْقدها، ومن أجل ذلك و ظف جمل ًة من طرائقِ تقريرية مباشرة، ومعجما غنيا يتوزع على حقلي التقليد والتجديد، ومرجعيات يطبعها التع ّدد، وأسلوبا استنباطيا، واستشهادات من المنثور والمنظوم، واستدلالات وتمثيلات ومقارنات. وقد نجح الكاتب في توصيف المدرسة الّرومانسية ومحاولتها الّتجديدّية بين الطموح والمحدودية، وهو ما يقودنا إلى إثبات ص حة الفرضية المطروحة آنفا والتي تربط الن ّص بالدراسة الأدبّية النقدية المتأثرة بالمنهج التاريخي الوصفي التسجيلي في مقاربة تيارات الشعر الحديث، والرومانسية بشكل خاص